الإنتفاضة الفلسطينية الثالثة Third Palestinian Intifada
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاخوان المسلمون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاخوان المسلمون. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 فبراير 2011

رحيل عميد الإسلاميين الأتراك البروفيسور نجم الدين أربكان


البروفسور نجم الدين أربكان


أنقرة- خاص:







عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عامًا رحل الزعيم السياسي التركي البروفيسور نجم الدين أربكان قائد الصحوة الإسلامية المعاصرة في تركيا، ويتم تشييع الجنازة الثلاثاء ظهرًا من مسجد الفاتح بإسطنبول والعزاء ليلاً في نفس اليوم.

ويستحق الراحل العظيم  لقب عميد الإسلاميين الأتراك عن جدارة؛ حيث كان مولده في 29 أكتوبر 1926م.

وكان قد حصل على الدكتوراه من جامعة أخن الألمانية في هندسة المحركات عام 1956م، وعمل أثناء دراسته في ألمانيا رئيسًا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز- هومبولدت- دويتز" بمدينة كولونيا، وقد توصَّل أثناء عمله إلى ابتكاراتٍ جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود، وحين عاد إلى بلاده كان أول ما عمله ولم يزل في عامه الثلاثين تأسيس مصنع "المحرك الفضي" هو ونحو ثلاثمائة من زملائه، وقد تخصص هذا المصنع في تصنيع محركات الديزل، وبدأت إنتاجها الفعلي عام 1960م، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن، وتنتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويًّا.

أنشأ عام 1970 بدعمٍ من تحالف طريقته مع الحركة النورسية حزب النظام الوطني الذي كان أول تنظيم سياسي ذي هوية إسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ زوال الخلافة عام 1924م.

بدأ أربكان حياته السياسية بعد تخرجه في كلية الهندسة، وأصبح رئيسًا لاتحاد النقابات التجارية ثم انتخب عضوًا في مجلس النواب عن مدينة قوينة، لكنه مُنع من المشاركة في الحكومات المختلفة بسبب نشاطه المعادي للعلمانية، وكان تأسيس حزبه أول اختراق جدي لرفض القوى العلمانية المهيمنة له.

لم يصمد حزبه (النظام الوطني) سوى تسعة أشهر حتى تم حله بقرارٍ قضائي من المحكمة الدستورية بعد إنذارٍ من قائد الجيش محسن باتور، فقام أربكان بدعمٍ من التحالف ذاته بتأسيس حزب السلامة الوطني عام 1972م، وأفلت هذه المرة من غضب الجيش ليشارك بالانتخابات العامة ويفوز بخمسين مقعدًا كانت كافيةً له ليشارك في مطلع عام 1974 في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ليرعى المبادئ العلمانية.

تولى أربكان منصب نائب رئيس الوزراء وشارك رئيس الحكومة بولند أجاويد في اتخاذ قرار التدخل في قبرص في نفس العام، واعتبر من دافع عن مشاركة أربكان في الائتلاف أنه حقق مكاسب كبيرة لتيار الإسلام السياسي من أهمها الاعتراف بهذا التيار وأهميته في الساحة السياسية إلى جانب مكاسب اعتبرت تنازلات مؤثرة من قبل حزب الشعب، خلال وجوده في حكومة أجاويد، حاول أربكان فرض بعض قناعاته على القرار السياسي التركي، وحاول ضرب بعض من أخطر مراكز النفوذ الداعمة للنهج العلماني، فقدم بعد تشكيل الحكومة بقليل مشروع قرار للبرلمان بتحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها، وأسهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي، وأظهر أكثر من موقف مؤيد صراحة للشعب الفلسطيني ومعادٍ لإسرائيل، ونجح في حجب الثقة عن وزير الخارجية آنذاك خير الدين أركمان؛ بسبب سياسته المؤيدة للكيان الصهيوني.

حتى بعد خروجه من الحكومة فقد قدَّم حزب أربكان مشروع قانون إلى مجلس النواب في صيف عام 1980 يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وأتبع ذلك مباشرةً بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الصهيوني بضم مدينة القدس، كانت المظاهرة من أضخم ما شهدته تركيا في تاريخها المعاصر؛ الأمر الذي اعتبر استفتاءً على شعبية الإسلام السياسي بزعامة أربكان، وبعد بضعة أيام تزعَّم قائد الجيش كنعان إيفرين انقلابًا عسكريًّا أطاح بالائتلاف الحاكم، وبدأ سلسلة إجراءات كان من بينها إعادة القوة للتيار العلماني، ومن ذلك تشكيل مجلس الأمن القومي وتعطيل الدستور وحل الأحزاب واعتقال الناشطين الإسلاميين إلى جانب اليساريين.

كان أربكان من بين مَن دخلوا السجن آنذاك، وبعد ثلاث سنوات خرج في إطار موجة انفتاح على الحريات في عهد حكومة أوزال، فأسس في العام 1983 حزب الرفاه الوطني، الذي شارك في انتخابات نفس العام لكنه لم يحصل سوى على 1.5% من الأصوات، لكنه لم ييأس إذ واصل جهوده السياسية حتى أفلح في الفوز بالأغلبية في انتخابات عام 1996 ليترأس أربكان حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيللر.

خلال أقل من عام قضاه رئيسًا للحكومة التركية، سعى أربكان إلى الانفتاح بقوة على العالم الإسلامي، حتى بدا وكأنه يريد استعادة دور تركيا الإسلامي القيادي، فبدأ ولايته بزيارة إلى كلٍّ من ليبيا وإيران، وأعلن عن تشكيل مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنجلاديش وماليزيا.

لم يكتفِ أربكان بذلك، بل نشط عبر العالم الإسلامي، وحدد موعدًا لمؤتمر عالمي يضم قيادات العمل الإسلامي، وباتت تركيا تتدخل بثقلها لحل مشكلات داخلية في دولٍ إسلامية كما حدث حينما أرسل وفودًا لحل خلافات المجاهدين في أفغانستان، لكن أربكان حرص رغم ذلك على عدم استفزاز الجيش، وحاول تكريس انطباع بأنه لا يريد المساسَ بالنظام العلماني.

في عام 1998م تم حظر حزب الرفاه وأحيل أربكان إلى القضاء بتهم مختلفة منها انتهاك مواثيق علمانية الدولة، ومُنع من مزاولة النشاط السياسي لخمس سنوات، لكن أربكان لم يغادر الساحة السياسية فلجأ إلى المخرج التركي التقليدي ليؤسس حزبًا جديدًا باسم الفضيلة بزعامة أحد معاونيه وبدأ يديره من خلف الكواليس، لكن هذا الحزب تعرَّض للحظر أيضًا في عام 2000م.

ومن جديد يعود أربكان ليؤسس بعد انتهاء مدة الحظر في عام 2003 حزب السعادة، لكن خصومه من العلمانيين، تربصوا به ليجري اعتقاله ومحاكمته في نفس العام بتهمة اختلاس أموال من حزب الرفاه المنحل، وحُكِمَ على الرجل بسنتين سجنًا وكان يبلغ من العمر وقتها 77 عامًا.

أصدر الرئيس التركي عبد الله جول عفوًا رئاسيًّا عنه في 18 أغسطس 2008م؛ بسبب تدهور حالته الصحية.

الاثنين، 20 ديسمبر 2010

د. عبد الرحمن البر يكتب: تحية وتقدير لموقف الإمام الأكبر



[
د. عبد الرحمن البر

- الإمام الأكبر ومواقف مشرفة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه واهتدى بهداه، وبعد؛

فلا يملك المرء حيال المواقف المشرفة المتتالية لفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر إلا الدعاء للرجل بالحفظ والتثبيت والتأييد، والنظر لمستقبل الأزهر المشرق بمزيدٍ من التفاؤل والأمل الكبير في استعادة دوره الريادي الإسلامي والعالمي في ظلِّ قيادة واعية مخلصة لدينها وتاريخها وأمتها.

ما أكثر المواقف التي تستحق الإشادة والتنويه، ومنها رفض الإمام الأكبر رفضًا كاملاً للتطبيع مع العدو أو مقابلة زعماء الصهيونية، ومنها رفضه أن يوظف مقامه الرفيع لمناصرة الحزب الوطني أو غيره في الانتخابات الماضية، ومنها لقاؤه الكريم مع شيخ الأمة فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس اتحاد علماء المسلمين؛ ليجسد الرجلان الصورة المثلى لما يجب أن يكون عليه علماء الإسلام، بغضِّ النظر عن مواقعهم الرسمية، ولا يقل أهمية عن ذلك ما يقوم به الإمام الأكبر من عمليات إصلاح في الأزهر العتيق، ومن مطاردة الفساد والمفسدين؛ نسأل الله أن يعينه في مساعيه، وأن يحقق به عز الأزهر والإسلام بإذن الله.

- موقف قوي مشرف للإمام الأكبر من المقررات السلبية لسينودس الفاتيكان:
ثم كان الموقف المشرف لفضيلة الإمام الأكبر الذي ظهر من خلال رسالته التي بعث بها إلى مؤتمر الإخاء الإسلامي المسيحي الذي عُقد في دمشق يوم الأربعاء الماضي 15/12 بالتعاون مع بطريركية الروم الكاثوليك لعرض ومناقشة مقررات سينودس الفاتيكان بخصوص مسيحيي الشرق الأوسط، الذي انعقد في روما في العاشر من أكتوبر الماضي ولمدة أسبوع، وقد أوضح فضيلة الإمام الأكبر بغير مواربة ولا تمييع رأي الأزهر ورأي علماء المسلمين فيما صدر من مقررات عن هذا المجمع، محددًا في إنصاف بالغ أهم الإيجابيات في تلك المقررات، وأبرز ما جاء فيها من سلبيات، بأسلوب علمي راق، وقد ذكر خلاصة ذلك أستاذنا فهمي هويدي في مقالته بجريدة (الشروق) يوم السبت 18/12 تحت عنوان: (نقلة في خطاب الأزهر).

وعلى حدِّ علمي فقد كان فضيلة الإمام مهتمًا غاية الاهتمام بهذا الموضوع منذ أعلن عنه إبان زيارة بابا الفاتيكان لقبرص في يونية الماضي وإعلانه عن عقد المؤتمر، وكلَّف فضيلة الإمام بعض كبار العلماء المتخصصين بدراسة الورقة التي نشرها الفاتيكان وقدمها للدراسة في ذلك المؤتمر.

وكنتُ قد كتبتُ (قراءة هادئة في وثيقة بابا الفاتيكان) ونشرتُها على موقعي الشخصي (alabaserah.com) وعلى موقع (إخوان أون لاين) وعلى غيرهما من المواقع، وأرسلتُ بها إلى كثيرٍ من رموز الأمة وعلمائها من المفكرين وأساتذة جامعة الأزهر، ومما أسعدني أن قراءتي الهادئة لا تخرج في خلاصتها عما قاله فضيلة الإمام الأكبر حفظه الله.

ومما ذكرتُه في مقدمة تلك القراءة مما يتفق تمامًا مع ما قاله فضيلة الإمام الأكبر: "أن موقف الكنيسة الغربية الكاثوليكية من العدوان الصهيوني الهمجي على الأرض العربية في فلسطين هو موقف ضعيف متخاذل، يقر للمغتصب بما اغتصبه، ويدعو الضحية للتسليم بمنطق القوة، والرضوخ للواقع، والتعايش بسلام (هكذا) مع جيرانهم (هكذا) اليهود، وأما المذابح الجماعية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية إبَّان الاحتلال الصهيوني سنة 1948م، ثم إبَّان الاجتياح الصهيوني سنة 1967م، ثم في الاجتياح الهمجي لبيروت، ثم في العدوان الوحشي على الجنوب اللبناني ثم على غزة، فقد كان رد فعل الكنيسة الكاثوليكية الغربية ضعيفًا لا يتناسب مع بشاعة الجريمة، وبدا في بعض تلك الأحداث كما لو كان إبراء للذمة، أو ذرًّا للرماد في العيون، وكل ذلك يتنافى مع الموقف الأخلاقي المبدئي الذي ينتظر من أكبر هيئة دينية في أوربا والعالم المسيحي تحمل رسالة المحبة والسلام للعالم.

ثم كان موقف الكنيسة من المحافظين الجدد الذين أشعلوا ما سموه حربًا صليبيةً جديدةً ضد العالم الإسلامي موقفًا مترددًا، وكان ينتظر من أكبر الكنائس أن تعلن بصوت عالٍ موقفًا قويًّا وصارمًا، وأن تقود حملة أخلاقية قوية في الاتجاه المضاد، تبرهن بها على حقيقة الموقف المسيحي الداعي إلى السلام والمحبة بين الشعوب، وترفع الغطاء الديني المسيحي عن الغزو الأمريكي غير الأخلاقي لأفغانستان والعراق".

كل هذا وغيره كان مما دعا العماد ميشيل عون أن يتمنى على الفاتيكان "تعميم ثقافة الانفتاح لا التخويف، والاقتراب لا الابتعاد".

- خلاصة الإيجابيات في مقررات السينودس:
أجملت الإيجابيات في الورقة التي أعدها الفاتيكان للمناقشة في ثماني عشرة نقطة، أهمها:
1- الدعوة إلى أن يكون الدين دومًا عاملاً للسلام والوفاق، ودعوة المؤمنين بالله الأحد ليكونوا صفًّا واحدًا في الدعوة إلى التسامح والتعاون المشترك، وتنمية القيم الروحية والإنسانية، ومواجهة الاستقطاب في الأمة، والوقوف أمام محاولات إشعال الفتن الطائفية، وخلق العداوات بين أبناء الوطن الواحد، وتأكيد خطورة الحداثة التي جاءت بالإلحاد وإنكار القيم الأخلاقية، والدعوة إلى التعاون لإحياء قيم الأسرة والفضيلة، ومواجهة قيم الرذيلة والإباحية والشذوذ؛ لصد الهجمة الشرسة على الأخلاق والقيم الفاضلة.

وهذا ما يدعو إليه الإسلام ويحض عليه القرآن ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 64).

2- دعوة للمسيحيين في بلاد الشرق الأوسط؛ لأن يكونوا مواطنين مندمجين مع إخوانهم من الغالبية المسلمة في هذه البلاد، لا أن يكونوا مرتبطين بأي أجندات أخرى لا تخدم بلادهم التي ولدوا ويعيشون فيها، ولا متخندقين في أفكار سامة وخاطئة تمنعهم من التواصل الإيجابي مع مواطنيهم المسلمين، أو تعمق في نفوس الأجيال التالية شعور الاغتراب في أوطانهم.

وهذا ما حرص المسلمون في بلادنا على تعميقه عبر القرون في سماحة واضحة.

3- الدعوة إلى تَفَهُّم ما جاء في الإسلام مما هو مشترك مع المسيحية، ومن ثَمَّ الحوار القائم على احترام كل طرف للآخر، لا على تبني أي طرف لعقائد الطرف الآخر.
وهذا ما دعا إليه الإسلام في مجادلة أهل الكتاب، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)﴾ (العنكبوت).

4- الإشارة إلى كون الاحتلال الصهيوني هو أهم الأسباب للتوتر في المنطقة، والتنديد بكون القوى العظمى (المسيحية في أغلبها) أنانية لا تحترم الحقوق ولا القانون الدولي، وتمارس الضغوط على الضحية العربية، وتدلل الجاني الصهيوني، وتحافظ على أسباب التوتر، وتُهمل الحقوق الإنسانية لشعوب المنطقة، والتنديد كذلك بمناصرة بعض الأصوليين المسيحيين وتبريرهم للظلم الصهيوني؛ ما يضع المسيحيين في الشرق الأوسط في موقفٍ حرج، والتأكيد على أن السلام والعدل والاستقرار هم شروط ضرورية لتنمية الحقوق الإنسانية في الشرق الأوسط.

- خلاصة السلبيات والمغالطات في مقررات السينودس:
أما النقاط السلبية والمغالطات التي احتوت عليها وثيقة الفاتيكان فأجملتها في اثنتي عشرة نقطة، وأهمها:
1- الادعاء بتعرض المسيحيين في الشرق للاضطهاد أو القهر لكونهم مسيحيين، والواقع ينطق بغير ذلك، وبأن ما قد ينزل ببعضهم من بعض الأنظمة المستبدة فإن مواطنيهم المسلمين يصيبهم مثله بل أكثر منه، ولا ذنب للشعوب ولا للإسلام كدين في هذه المظالم، ومعلوم باليقين أن الإسلام والمسلمين قد حافظوا على الوجود المسيحي في هذه المنطقة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، شهد المنصفون من المسيحيين بأنها كانت أعدل الفترات التي عاشوها كمسيحيين.

وقد ادَّعت الورقة غياب الاعتراف بالحرية الدينية وحقوق الإنسان في البلاد الإسلامية، وهذه مغالطة كبرى، فإن الإسلام يعترف بهذه الحرية الدينية وبحقوق الإنسان على أكمل ما يكون، وهذا سِرُّ بقاء النصرانية واليهودية في البلاد الإسلامية كل تلك القرون، التي لم يحصل في يوم من الأيام لها تطهير أو إبادة على النحو الذي مارسته الكنيسة الكاثوليكية مع المسلمين في الأندلس وفي الحروب الصليبية في الشام وفلسطين، أو الذي مارسته الكنيسة الأرثوذكسية الصربية مع البوشناق المسلمين في البوسنة والهرسك.

2- الدعوة إلى تعميق ما أسمته مفهوم (العلمانية الإيجابية) لمواجهة ما تسميه (الصيغة الثيوقراطية) بزعم أن ذلك يسمح بمزيد من المساواة بين المواطنين مختلفي الديانات.

وفضلاً عما في هذه الدعوة من تناقض مع الدعوة لاحترام الدين، فإن فيها خلطًا بين المفهوم المسيحي الغربي وبين المفهوم الإسلامي لصلة الدين بالسياسة، فالصيغة الثيوقراطية هي إفراز الكنيسة الكاثوليكية تاريخيًّا، أما الإسلام فلا يعرف هذه الصيغة على الإطلاق، وليس في الإسلام من يحكم باسم الله أو وكيلاً عن الله، بل الحكومة في الإسلام حكومة مدنية وليست حكومة دينية، والحاكم في الإسلام شخص عادي اختارته الأمة بمحض إرادتها، ولها حقُّ عزله متى شاءت، ولها حقُّ مراجعته في كل أعماله ومحاسبته على كل أخطائه، باعتبار أنه متعاقد معها على رعاية مصالحها وفق القواعد التي تؤمن بها؛ لا وفق هواه، ولا يعرف الإسلام تلك العصمة التي ادعاها بابوات الكنيسة لأنفسهم، ومن ثَمَّ فلا معنى للقول بتخفيف الصيغة الثيوقراطية؛ لأن هذه الصيغة ليست موجودةً أصلاً.

3- من أخطر ما في الورقة من المغالطات تلك التي تتعلق بالحالة المصرية؛ حيث تدَّعي الورقة أن حياة المسيحيين في مصر معرَّضةٌ لصعوبات خطرة، وترد ذلك إلى تصاعد ما تسميه بالإسلام السياسي، وتغلغل ما تسميه الأسلمة في المجتمع المصري.

ومن العجب أن يُطْلَب من المسلمين أن يتخلوا عن أسلمة حياتهم في الوقت الذي تدعو فيه الورقة الأقلية الكاثوليكية إلى التبشير بالمسيحية في هذه البلاد!.

بل تعتبر الورقة أن الردة عن الإسلام إلى النصرانية تعد اهتداءً، بينما الدخول في الإسلام يعد اقتناصًا مغرضًا يتعرض له المسيحيون تحت إغراءات أو ضغوط وعنف يمارسها المسلمون عليهم.

وهذا تصوير خاطئ وكذب فاضح لن تكون نتائجه إلا إيقاد الفتن وإشعال الحروب الدينية في المنطقة، وهو لعب بالنار، نرجو ألا تتورط فيه الكنيسة التي ترفع شعار المحبة والسلام.

4- الخلط العجيب بين الإسلام وبين العنف واعتبار كل متدين متطرفًا، والدعوة إلى الاشتراك في مواجهة ما أسمته الورقة (التيارات المتطرفة) بدعوى تهديدها للجميع.

وهذا خطأ فادح، وهو كفيل بإشعال نار فتنة كبرى في المنطقة وفي العالم، فالأفكار المتطرفة لا تمثل تيارًا عامًّا في الصحوة الإسلامية، وإنما هي نتوءات متفرقة هنا وهناك، يلفظها الجسد الإسلامي، وتتكفل بمواجهتها ومحاصرتها المؤسسات الإسلامية الرسمية وغير الرسمية، وعلى رأسها الأزهر الشريف والإخوان المسلمون، ومحاولة إدخال غير المسلمين على هذا الخط جديرة بإفشال كل هذه الجهود المخلصة، وإعطاء مصداقية لهذه الأفكار بين الشباب، وربما أدَّت إلى تحول جمهور كبير من الأمة من رفضها إلى التعاطف معها ومساندتها.

5- موقف الكنيسة من الصراع الصهيوني الفلسطيني هو موقف سياسي، وليس موقفًا أخلاقيًّا مبدئيًّا، إذ تُقِرُّ الكنيسة الغربية حقَّ الغاصب في تَمَلُّك ما اغتصبه، وتدعو الشعب المغصوبة أرضه للقبول بالواقع الظالم، وهو موقفٌ ينبغي على الكنيسة التي ترفع راية العدل أن تصححه، وأن يكون لها دور في مساعدة الشعب المظلوم على نيل حقوقه، ولا تساوي بين الضحية والمعتدي، كما قال فضيلة الإمام الأكبر حفظه الله.

6- وأخيرًا فإن من أخطر ما جاء في الورقة: الدعوة الصريحة للتدخل الأجنبي في بلاد الشرق الأوسط لدعم التبشير، وهي عودة واضحة إلى حالة الحروب الصليبية البغيضة، ويبدو أن الأساقفة الشرقيين الوطنيين الذين اجتمعوا في روما قد انتبهوا لخطورة هذه الدعوة فرفعوها من التوصيات التي خرج بها السينودس.

وفي الختام فإنني إذ أحيي فضيلة الإمام الأكبر وأشيد بموقفه الرائع، فإنني أعيد وضع هذه القراءة الهادئة المتأنية بين أيدي المعنيين بالشأن الديني، لعلها تكون مدخلاً مناسبًا لفهم بعض حقائق الإسلام وإدراك الواقع الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط.

الأحد، 17 أكتوبر 2010

الأربعاء، 29 سبتمبر 2010

الديموقراطيه.......Democracy

كلمة ومعني
الديموقراطية Democracy:
نظام سياسي اجتماعي غربي النشأة 
عرفته الحضارة الغربية في حقبتها اليونانية وحوَّرته نهضتها الحديثة والمعاصرة وهو يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة وذلك استنادا إلى المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة و مصدر الشرعية

الاثنين، 27 سبتمبر 2010

واجب الأمة نحو القرآن الكريم

رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومَن اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين... أما بعد:

فإن القرآن الكريم هو الدستور الجامع لأحكام الإسلام، وهو المنبع الذي يفيض بالخير والحكمة على القلوب المؤمنة، وهو أفضل ما يتقرب به المتعبدون إلى الله تبارك وتعالى.

عن ابن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فأقبلوا على مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمةٌ لمَن اعتصم به، ونجاة لمن اتبعه.." (رواه الحاكم).

لقد جمع القرآن الكريم أصول العقائد، وأوامر العبادات، وأسس المصالح الاجتماعية, وكليات الشرائع الدنيوية, فيه أوامر وفيه نواهٍ, وكلها لمصلحة البشرية دون تفرقةٍ بدين أو لون أو جنس أو طبقة أو لسان.

واجب المسلمين نحو القرآن الكريم:
يوضح الإمام البنا- رحمه الله- واجب المسلمين نحو القرآن الكريم فيقول: "وأعتقد أن أهم ما يجب على الأمة الإسلامية حيال القرآن الكريم ثلاثة مقاصد:

أولها: الإكثار من تلاوته، والتعبُّد بقراءته، والتقرُّب إلى الله تبارك وتعالى به.

وثانيها: جعله مصدرًا لأحكام الدين وشرائعه، منه تُؤخذ وتُستنبط وتُستقى وتُتعلم.

وثالثها: جعله أساسًا لأحكام الدنيا منه تُستمد وعلى مواده الحكيمة تُطبَّق.

لقد كان القرآن الكريم فيما مضى زينة الصلوات فأصبح اليوم زينة الحفلات، وكان قسطاس العدالة في المحاكم فصار سلوة العابثين في المواسم، وكان واسطة العقد في الخطب والعظات فسار بواسطة العقد في الحلي والتميمات.. وإذا علمت هذا.. فاعلم أن الإخوان المسلمين يحاولون في جدٍّ أن يعودوا هم أولاً إلى كتاب الله، يتعبدون بتلاوته ويستنيرون في تفهم أقوال الأئمة الأعلام بآياته، ويطالبون الناس بإنفاذ أحكامه، ويدعون الناس معهم إلى تحقيق هذا الغاية التي هي أنبل غايات المسلم في الحياة.. فيكون بحق القرآن دستورنا ودستور الأمة".

وكان الإمام الشهيد حسن البنا يخاطب الإخوان المسلمين قائلاً: "أيها الإخوان: أنتم لستم جمعيةً خيريةً ولا حزبًا سياسيًّا ولا هيئةً موضعيةً لأغراضٍ محدودةِ المقاصد، ولكنكم روحٌ جديدٌ تسري في قلب هذه الأمة فتحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داوٍ يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلى عنه الناس.

القرآن الكريم محفوظ في الصدور والسطور والعمل:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).. أنزل الله القرآن الكريم ليكون آخر الكتب المنزلة من السماء؛ لهداية البشرية إلى قيام الساعة، ومن ثَمَّ تعهَّد بحفظه، وتولَّى سبحانه صيانته، فلم يزل محفوظًا مصونًا من التحريف ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ (فصلت).. وهذه وقعة تكشف هذا الحفظ، فعن يحيى بن أكثم قال: كان للمأمون مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي، فتكلَّم فأحسن الكلام، قال: فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلَّم على الفقه فأحسن الكلام؛ فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون وقال: ألستَ صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفتُ من حضرتك فأحببتُ أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط، فعمدتُ إلى التوراة فكتبتُ ثلاث نسخ فزدتُ فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتُريت مني، وعمدتُ إلى الإنجيل فكتبتُ ثلاث نسخ فزدتُ فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتُريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدتُ فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها؛ فعلمتُ أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.

وحفظ القرآن الكريم يكون في ثلاث صور:
1- الحفظ في الصدور وهذا هو الأصل، ويتم بالتلقي مشافهةً، فقد قرأه أمين الوحي جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضوان الله عليهم، وتلقاه التابعون عن الصحابة، وهكذا سلسلة متصلة إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة.

2- الحفظ في السطور، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين تنزل الآية أو الآيات يأمر كُتَّاب الوحي بأن يكتبوها في مكانها من السورة، وظلت صحائف موزعة إلى أن جمعها أبو بكر- رضي الله عنه- في مكانٍ واحد، ثم جاء عثمان رضي الله عنه من بعد ذلك فنسخ منها نسخًا ووزعها على الأقاليم.

3- الحفظ بالعمل: وذلك بأن يظل القرآن الكريم منهج حياة المسلم كفرد في نفسه وأسرته يطبق أحكامه يحل حلاله ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه وأخلاقه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فقد سُئلت السيدة عائشة- رضي الله عنها- عن خلق رسول صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَىَ. قَالَتْ: "فَإِنّ خُلُقَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ" (صحيح مسلم).

ومن حفظ العمل على مستوى الدولة التي دينها الإسلام أن يكون أساس دستورها ومصدر تشريعها الأول، وميزان عدالتها في المحاكم، وأن يكون من ثوابت المناهج الدراسية في كل مراحل التعليم.

كما يجب عليها أن تعلم أن كل مادة في الدستور لا يسيغها الإسلام، ولا تُجيزها أحكامه يجب أن تُحذف منه، حتى لا يظهر التناقض في القانون الأساس للدولة.

المنطلق الأساس لتحقيق التغيير المنشود:
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11). هذه الآية هي المنطلق الأساس لتحقيق التغيير المنشود، وبها تحقق الإصلاح في صدر الإسلام.. فإن المسلمين الأوائل في أقل من ربع قرن من الزمان، انتصروا على أعدائهم، وهم في ذلك لم يكونوا أكثر عددًا، أو أقوى عتادًا، ولكنه القرآن الكريم الذي نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، فقرأه صلى الله عليه وسلم على أصحابه فسرى في شرايينهم روحًا جديدةً، وجعل منهم خلقًا آخر، لا غاية لهم إلا مرضاة الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: من الآية 207). هؤلاء تغيَّرت نفوسهم فتحطَّمت بداخلها الأصنام التي كانوا يعكفون عليها، وآمنوا بإله واحد، لا يعبدون سواه، ولا يخضعون لغيره، ولا يخشون سواه، وصارت الدنيا عندهم لا تعدل جناح بعوضة، وأضحت الآخرة هي مسعاهم ومبتغاهم بموجب هذا العقد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: من الآية 111).

وما يقع في غزة من صمود وعزة، سره الأول روح القرآن الكريم التي سرت في نفوسهم فاستمدوا القوة من الله، وتسلَّحوا بالصبر والثبات النابعين من القرآن الكريم الذي جدد إيمانهم، وبهذا الإيمان لم يعترفوا بإسرائيل، ولم يخافوا من أمريكا، ولم يرهبوا كثرة وقوة دعاة الاستسلام، وأبوا إلا أن يستردوا حقهم كاملاً، ويستعيدوا أرضهم كلها، وما ضعفوا وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، وما أجمل أن يردوا على مَن أراد أن يحرق نسخًا من المصحف مطبوعة على الورق بأن يطبعوا ستين ألفًا من نسخ القرآن الكريم المطبوعة في الصدور.

وكيف لا! وهو سر ثباتهم وصبرهم، وأساس صمودهم، ومنبع القوة في مواجهة عدوهم، والسبيل الوحيد لنصرهم على اليهود ومن والاهم وناصرهم.

وهكذا يجب أن يكون ردنا على مَن ينالون من كتاب الله أو من رسول الله رضي الله عنه بالإقبال على كتاب الله حفظًا في الصدور ومنهجًا في الأخلاق، ومظلة للبيوت والأسر، وبالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم عنه في عبادته وأخلاقه ومعاملاته وسير على خطاه في كل مناحي الحياة.

علل الأمة ودواؤها:
والمتأمل في علل الأمة الإسلامية، يرى أن علة عللها هي الرضا بالحياة الدنيا، والاطمئنان بها، والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة، والتبذير الزائد في الحياة، فلا يقلقه فساد، ولا يزعجه انحراف، ولا يهيجه الظلم المستشري، ولا يهمه غير مسائل الطعام واللباس.. والبلسم الشافي، والدواء الناجع لتلك العلل، لا يكون إلا بتأثير القرآن والسيرة النبوية إن وجدا إلى القلب سبيلاً؛ لأنهما يحدثان صراعًا بين الإيمان والنفاق، واليقين والشك، بين المنافع العاجلة والدار الآخرة، وبين راحة الجسم ونعيم القلب، بين الحق والباطل، بين العدل والظلم.

وهذا الصراع أحدثه كل نبي في وقته، ولا يصلح العالم إلا به، وحينئذٍ تهب نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد، لا يشبه العالم القديم في شيء.

وهذا الأثر الطيب المبارك لا يتحقق في الواقع إلا إذا تدبَّر المسلمون معاني القرآن الكريم ووقفوا على أحكامه، واقتفوا آثار نبيهم بتخلقهم بالقرآن، وتأثروا بذلك في نفوسهم وحياتهم، وليعلم المسلمون أن تأثير القرآن الكريم في نفوس المؤمنين بمعانيه لا بأنغامه، وبمَن يتلوه من العاملين به، ولقد زلزل المؤمنون بالقرآن الأرض يوم زلزلت معانيه نفوسهم، وفتحوا به الدنيا يوم فتحت حقائقه عقولهم، وسيطروا به على العالم يوم سيطرت مبادئه على أخلاقهم ورغباتهم، وبهذا يعيد التاريخ سيرته الأولى، وقد شبَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي لا يقرأ القرآن بالتمرة لا رائحة لها في مقابل الأترجة المؤمن الذي يقرأ القرآن ويُؤثِّر فيمَن حوله برائحته ورائحة عمله الطيبة.

إن إحياء معاني القرآن الكريم في النفوس، وتحويله إلى واقع حي متحرك، ودفع الجيل القادم من الشباب في العالم الإسلامي أن يتنافسوا في حفظ القرآن الكريم في صدورهم، وظهور أثره على جوارحهم وأخلاقهم وجميع شئون حياتهم، يبشر بغدٍ مشرق، ومستقبل واعد، فإن من نشأ في صغره على حفظ كتاب الله حفظه الله، وجعله معين خير، ومصدر إسعاد لمَن حوله، وحينئذٍ ينعم الجميع بالأمن والأمان.

ونحن ننادي بما صدع به الإمام البنا منذ عشرات السنين، ولا يزال صداه يتردد في أرجاء المعمورة: يا قومنا: إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان مَن يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس- والحمد لله- في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسةً، فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات.

ويقول رحمه الله: لقد قام هذا الدين بجهاد أسلافكم على دعائم قوية من الإيمان بالله، والزهادة في متعة الحياة الفانية وإيثار دار الخلود، والتضحية بالدم والروح والمال في سبيل مناصرة الحق، وحب الموت في سبيل الله والسير في ذلك كله على هدى القرآن الكريم.

فعلى هذه الدعائم القوية أسسوا نهضتكم، أصلحوا نفوسكم وركزوا دعوتكم وقودوا الأمة إلى الخير.. ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 35).

نحن أيها الناس- ولا فخرَ- مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو سنته كما نشروها، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)﴾ (ص).